التعايش مع اللادولة..!!

كتاب وآراء

التعايش مع اللادولة..!!

قبل 3 سنوات

هو الجنون بعينه ذاك المسلك العدائي والنظرة القاصرة التي لا تستطيع أن ترى ما يحدث إلا من زاوية علاقته بالإخوان المسلمين وحزب الإصلاح.

 

هذا الاستقطاب المخيف يضع جانباً كل التأثيرات القاتلة والمرعبة على الكيان الوطني والدولة ومؤسسة الجيش مقابل التركيز على تأثيرها على «عدوه الوجودي» ومدى تقليصه لنفوذه وحضوره إلى جانب تهميش كل المؤثرات على ما يعتبر أنه مصلحة وطنية عامة، يتم أيضاً تجاوز كل الوسائل المشروعة والخلط بين العنف والعمل المدني السلمي، والميليشيا والحزب السياسي، ويغدو العالم كله عبارة عن «عدو» متضخم يسد على المسكون بالعداء والانتقام كل آفاق الرؤية؛ التي لو أمعن النظر فيها لاكتشف فيها «نقطة ما» تتحقق عندها إحداثيات مشتركة على المستويين السيني والصادي تتحقق فيها المصلحة العامة، وحتى المصلحة الانتقامية الخاصة!!

 

والأدهى من ذلك أن المؤشرات كلها تقول: إن هذا المسار التدميري يأتي تلبية لموجة سائدة في الإقليم تتطير من الإخوان كفاعل سياسي و«متهم» بالمشاركة الفاعلة في تقويض عدة أضلاع من النظام الرسمي العربي، وتبقي على عمق الثقافة السلفية المتطرفة وتكويناتها الوعظية والإرشادية.

 

هو إذن مسار يستجيب لحاجة خارجية أكثر منه استجابة لحاجة داخلية تحقق مصلحة عامة، ويعزز هذه الموجة الإقليمية انبثاق تحالف أمريكي إيراني تبدو مؤشراته أكثر من واضحة، مع استفحال ضعف الاقتصاد الأمريكي ومروره بمرحلة لا تحتمل «تدخلية عالية» في منطقة الشرق الأوسط، مما يدفع بتفاهمات معينة تقوم على تضافر التحالف المضمر بين أمريكا وإيران وتركيا وإسرائيل؛ لتفتيت الكيانات «الوطنية» العربية الموروثة من مرحلة ما بعد الاستعمار منتصف القرن الماضي.

 

للإخوان المسلمين وحزب الإصلاح عِلَلَهم المزمنة وتوجهاتهم الكارثية وبنيتهم القيادية التقليدية المعطبة. غير أن كل ذلك من الممكن مواجهته على قاعدة وجود الدولة وليس السقوط إلى اللادولة؛ مواجهته بتقليص مساحة الميليشيات المتمردة وليس بالاستعانة بها في مواجهة حالة يغلب عليها الطابع السياسي، وإن مرقت هنا أو هناك، فهو مروق يؤكد القاعدة ولا ينسفها، بعكس الميليشيا المذهبية التي نشأت من بدايتها كحركة مسلحة.

 

الحوثي فرض ميزان قوة جديد الآن على الأرض لا مجال لتجاوزه بالوساطة والتمنيات، وبالتالي فإن الاحتمالات كلها مرهونة بالواقع على الأرض وهي:

 

1 - أن يتثبت ميزان القوة هذا على الأرض كما هو عليه الآن ويفرض الحوثي شروطه على الدولة والمشهد السياسي والمسار الانتقالي في صنعاء ليحقق مكاسب تتناسب مع ميزان القوة الجديد.

 

2 - أن لا يكتفي بمستوى الاختلال الذي حققه في ميزان القوة على الأرض، وأن يواصل كسر الميزان بمجمله في الشمال كله والعاصمة صنعاء من خلال تثبيت سيطرته على همدان وبني مطر، وخوض سباق للسيطرة على أرحب والجوف وحجة والمحويت.. وعندها تكون مهمة فرض نفسه كجوكر للمشهد كله في العاصمة ممكناً حتى من دون حرب.

 

3 - أن تتوحد الدولة وتحسم قرارها لمواجهة الحوثي. سواء كان هدف المواجهة محدوداً من خلال تأمين محيط العاصمة وتثبيت وجود الدولة والجيش في مناطق همدان وبني مطر والجوف، وكسر ميزان القوة الذي صنعه الحوثي في عمران بخوض حرب منضمة ومرتبة بشكل جيد لاستعادتها.

 

أو حتى حرب شاملة مع الوجود الحوثي المسلح في كامل منطقة شمال الشمال، وهذه الأخيرة تبدو صعبة جداً بالنظر للمعطيات القائمة في وضعية السلطة ومركز القرار والموقف الدولي والإقليمي والشكوك الكبيرة حول أهدافه النهائية إزاء اليمن، والوضع على أرض الواقع الذي ترك ليتفاقم ويتعقد بشكل كبير أمام الدولة.

***

تم استهلاك صاحبة الصون والعفاف؛ مفردة «مدنية» تماماً في السنوات الثلاث الماضية، ضمن أشياء كثيرة استهلكت وأفرغت من مضمونها؛ فالكلمات والمفاهيم كائنات حية تُبلى وتبتعد عن دلالاتها بكثرة الاستعمال الأرعن والسطحي. فصلت مفردة «المدنية» عن الواقع المادي الملموس، وغدت محلقة في الفضاء وفوق الواقع ولم تعد قادرة على التعرف على نفسها في سياق الواقع المادي الملموس وقضاياه الحية وأحداثه النابضة، ولم يعد مقدورها قياس نفسها بناءً على مفهومها الأولي ودلالاتها ومدى اقترابها أو ابتعادها عن الوقائع والأحداث وملامح الصورة المتشكلة على الأرض وليس في السجالات والمناقشات.

 

حتى إن «المدنية» المبتلاة تجد نفسها في واقع عجيب وغريب باعتسافات يتم من خلالها تطبيع وجودها السجالي مع كل نقائضها: العنف، السلاح، الميليشيا، الطائفية، المذهبية، التزمت، اللادولة.

 

النهج الذي يتعايش مع تقويض الدولة «على عِلاتها» لا يستطيع التدثر بـ «المدنية».

 

فوجود الدولة ابتداءً يمثل الجذر المؤسس للمدنية، حتى في طورها البنائي المضطرب تبقى الانحيازات للدولة معياراً. فبدون وجودها ابتداءً يستحيل الكفاح السياسي لتطويرها إلى مستوى بنائي يلبي معايير المدنية.

 

والتعايش مع مقوضات الدولة يعني المضي في طريق تقويض ممكنات المدنية.. وهي نتيجة واقعية لا مجال لإنكارها حتى لو ارتدت السجالات التي تَلُوك «المدنية» عناوين لامعة وإنشاء مزركش وهذيانات «حديثة».

الأكثر قراءة

كاريكاتير

عدسة شبوة الحدث

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر