السياسة والعترة.

كتاب وآراء

السياسة والعترة.

قبل 3 أشهر

تحوي كتب السنة، كتب الحديث والعقيدة على السواء، نصوصاً غزيرة عن فضل "بني هاشم". لا تقف تلك النصوص عند الحدود الأخلاقية والجمالية، بل تخترق حقلي السياسة والمعرفة، وتتموضع في مركزيهما. فبينما يتفق المحدثون الستة الأشهر في التاريخ على صحة حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه"، أي مالك أمره وحاكمه، تذهب عشرة كتب مرجعية في الحديث إلى منح الصحة لنص آخر يقول "أنا مدينة العلم وعلي بابها". علي ،هُنا، ليس الشخص بل العترة، ليس الفرد بل السلالة، وليس الفاني بل المتكرر، أي الخالد والأبدي.

فقد صحح الألباني حديثاً يقول "تركت فيكم من إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي". تَحتكر العترة، وفقاً لتلك النصوص، حقين مركزين في هذه الحياة، وفي حياة المسلمين على نحو أخص: المعرفة، والسياسة. ولأن المعرفة هنا أصلها ديني، وحقل اشتغالها ديني، فهي معرفة تسند السياسة وتحتكر تعريفها، أي تعزز الحق الثاني.

تنبه طه حُسين في كتابه "علي وبنوه" للأمر، طارحاً فرضية تقول إن السبب الجوهري الكامن وراء خلاف علي وعائشة يعود إلى حرمان عائشة من الذرية. فقد عاشت لتشاهد "آل علي" وهم يحتكرون النبي، ويأخذونه معهم في درجات التاريخ. منذ فجر الإسلام برز ميل لجعله اكتشافاً عرقياً.

في اليمن، في القرن العشرين، تخاطب الأناشيد الحوثية التعليمية الحوثي بصفتين "ابن النبي، ابن النبي العدنان". تحت ضغط مكثف من الدعاية والإيحاء الخارجي تنجح السلالة في صناعة استيهام نفسي يلغي المسافة الزمنية بين القرنين السابع الميلادي والواحد والعشرين. وفي الأناشيد، كما في الحياة السياسية، يبدو النبي كما لو أنه توفي للتو، وترك وديعته لدى الابن.

على مر التاريخ كان الهاشميون يزعمون أنهم أدرى بمُراد الإله من سواهم، وبقول النبي كذلك. لدى الصوفية والشيعة تتجاوز تلك النصوص الحدود القصوى للفانتازيا، ويصبح الدين مجرد حفلة كبيرة على شرف الأسرة. فالشيخان، البخاري ومسلم، يقران بصحة حديث "إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، وقريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم". وهو كذلك، بنصه، لدى الشيعة. بالنسبة للمؤمن الاعتيادي، الذي يطالبه إيمانه بحب النبي، فكل تلك المرويات قابلة للتصديق. فالمحبوب سيشعر بمزيد من الرضا عندما يغدق مريدوه الحب على الأبناء.

سرعان ما تجري إعادة إنتاج لتلك النصوص بحيث تصبح منشوراً سياسياً، ثم عقيدة في السياسة، ويصبح المعني بها مالك تلك الحقيقة ومحدد طبيعتها. ففي النصف الأخير من القرن الثالث الهجري رحل الهادي يحيى بن الحسين، صحبة والده وعمه ولفيف من آل بيته، إلى الشمال ثم إلى الشرق حتى طبرستان. كان موكباً مهيباً يبحث عن أرضٍ ما ليحكمها، وعن شعبٍ يمنحه السلطات كلها، وفقاً لكاتب سيرته. كان مؤمناً بذلك الحق، وعلى الدرجة نفسها من اليقين كان أهله. كان مشهد خروج الهادي من الحجاز واتجاهه شمالاً يشبه لحظة خروج الحسين بن علي من المدينة. فقد كانت آخر كلمات الحسين وهو يودع أصحابه "ما كُنت لأترك أمراً أرانيه الله". فالسلالة مأمورة من الله لتحكم البشر. مع الأيام ستصبح السلالة أكثر تعلقاً بتلك النصوص، وأكثر يقيناً، وستحدث حروب كثيرة. 

ضمن سياق تاريخي معقد ينسحب الهادي، ويجد له أرضاً في الجنوب، في صعدة. وفي حروبه لتوطيد ملكه في اليمن كان يطلق على خصومه السياسين صفة "الكُفار". فداخل مجرة النصوص الدينية التي تمنح آل علي الحق في احتكار المعرفة والحق في احتكار السياسة يصبح كل من يحاول الدوران بعيداً عنهم خارجاً عن الملة. وفي لحظة صدمة، عندما كانت قبائل اليمن تخذله، قال الهادي إنه يفكر بترك اليمن لولا خشيته من أن يكون قد تخلى عن تكليف الإله له. فالهاشمي، في تقدير الهادي، مكلفٌ بحكم الأرض، وهو تكليف لا يقبل إعادة التأويل ولا النكوص.

قطعت السنة مع الشيعة نصف المسافة، وذهب محدثو السنة يؤكدون لطلبتهم، كما لشعوبهم، صحة تلك النصوص العرقية، ومركزيتها في الضمير الإسلامي. بما في ذلك النص الذي يقول إن بني هاشم يمثلون العرق الأكثر نقاءً واصطفاءً دون سائر الأمم وفي كل الأزمنة. وما إن صارت النصوص على مسافة قريبة من السياسة حتى انقلب غالبية محدثي السنة على بني هاشم وانحازوا للمواقف السياسية للدولتين الأموية والعباسية، قديماً، وللدولة غير الهاشمية على مر التاريخ.

في القرن العشرين، مطلع القرن، انحازت الوهابية، المعنية أكثر من غيرها بالحديث، إلى سلالة محمد بن سعود ضد الهاشميين الذين يحكمون الحجاز. وضمن جيش تمثل السلفية الوهابية رأس حربته اقتحم السعوديون مكة والطائف ملحقين هزيمة مذلة بآخر أمراء بني هاشم في الجزيرة العربية، الشريف الحسين بن علي. لقد انتهت تلك الحرب بإذلال "عترة النبي"، وتشريدها . لقد اضطرت السلفية لسحق كل نصوص الحديث التي تؤمن بها، وفي المقدمة منها: من كنتُ مولاه فعلي مولاه، وذلك الحديث الذي يقول إن خلاص الأمة متروك في عترة النبي. وهي عترة كان الشريف حسين أبرز رجالها آنذاك.

في العام ١٩٦٣ طردت السلطات السعودية المحدث ناصر الدين الألباني، وأنهت تعاقده في الجامعة الإسلامية بعد عامين فقط من وصوله إلى الحجاز. وفي نهاية السبعينات قالت السلطات السعودية إن الألباني مسؤول عن العملية الإرهابية التي قامت بها حركة جهيمان العتيبي في الحرم المكي. في العام ١٩٩٠م، عقب احتلال العراق للكويت، اكتشف النظام السعودي أهمية الألباني ومدرسته. فهي جماعة تمنح السلطات الحاكمة ولاء غير مشروط، كل السلطات وفي كل الأزمنة. وبينما اعترضت الحركة الإسلامية السعودية، التي أطلقت على نفسها مسمى الصحوة، على دخول الجيش الأميركي على طريق الحرب ضد العراق، فإن السلفية الألبانية منحته الحق في ذلك. وعلى أكثر من صعيد عثرت الأنظمة الحاكمة على جوهرة كبيرة اسمها "سلفية الحديث". اعتذرت السعودية للألباني على نحو متأخر، واعترفت له بالفرادة، وكان كنزاً لا يقل أهمية عن النفط.

حمل السعوديون في ضميرهم إحساساً عميقاً بالذنب عقب انتصارهم على الهاشميين في الحجاز. بدا ذلك واضحاً في الرسالة التي بعثها عبدالعزيز آل سعود إلى قادة الدول الإسلامية آنذاك. لدى مدرسة الألباني وجد السعوديون دواءً لذلك الألم العميق، فالسلطات الحاكمة دائماً على حق. كما أن أحاديث الاصطفاء الهاشمية، بما فيها النصوص ذات الحمولة السياسية الثقيلة، هي أيضاً صحيحة عند الألباني. حافظ المحدثون على هذا التناقض في المستوى غير المرئي، وخاضوا حربين لصالح النظام السعودي: ضد الشيعة، وضد الصحوة. كان علمُ الحديث هو الآلة التي استخدمها الألباني. عاد إلى "حسن البنا"، واكتشف أنه جاهلٌ في علوم الشريعة، كما قال. قام بتدمير كتاب "فقه السنة"، المرجع الإخواني المركزي. بهذا يصبح كل ما أسسه ذلك الجاهل، البنا، غير ذي معنى. أما الشيعة فقد تتبع مروياتهم واكتشف إنها ضلالات. كان محترفاً في علم الرجال، ولديه قدرة على فرز النصوص. جعل من الخطرين السياسيين على النظام السعودي، الصحوة والشيعة، خطرين على الدين. سوى النظام السعودي حساباته مع الفريقين، بإضاءة من الألباني، تحت ذريعة حراسة الدين. أما أفضلية الهاشميين التي يقرها الألباني فقد منح السلطات الحق في تفسيرها وفقاً للحاجة.

كاريكاتير

عدسة شبوة الحدث

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر